محمد بن وليد الطرطوشي
84
سراج الملوك
وقال له رجل كان يصحبه يوما : لي إليك حاجة ، فقال له بعد الجهد به : حاجتك مقضية ، قال : إن كان لك شهوة أخبرني بها ، قال : نعم ، أشتهي أن آكل رأسا ، قال : فاشتريت له رأسين ولففتهما في رقاق « 1 » ، وجئته بهما ، ثم سألته بعد أيام : هل طاب لك الرأسان ؟ قال : لا ، ما هو إلا أن فتحتهما ، فإذا هما محشوّان دودا ، ليس فيهما البتّة لحم إلا الدود ، فأتيت الرّآس « 2 » فأخبرته ، فأطرق متعجبا ثم قال : ما ظننت أنّ في زماننا أحدا يحمى عن الحرام هذه الحماية ، تلك الرؤوس كانت من غنم ، انتهبها بعض العمّال . ثم أعطاني رأسين من غير تلك الغنم ، فأتيت بهما أبا عقال ، فأكلهما فأخبرته بما قال الرّآس ، فبكى ، ثم قال : يا رب ، ما كان يستحقّ عبدك أبو عقال مثل هذه الحماية ، ولكنه يا رب فضلك وكرمك ، فلك عليّ يا رب ألّا آكل طعاما بشهوة أشتهيها حتى ألقاك ، إن شاء الله تعالى . وكانت له أخت متعبدة ، فلما مات لحقت قبره بمكة ، وبكت عليه ، وكتبت عليه هذه الأبيات : ليت شعري ما الّذى عاينته * بعد دوم الصّوم مع نفى الوسن « 3 » مع عزوف النّفس عن أوطارها * والتّخلّى عن حبيب وسكن « 4 » يا شقيق ليس في وجدى به * علّة تمنعني عن أن أجنّ وكما تبلى وجوه في الثّرى * فكذا يبلى عليهنّ الحزن * * *
--> ( 1 ) الرقاق : الخبز المنبسط الرقيق . ( 2 ) الرّآس : بائع الرؤوس . ( 3 ) نفى الوسن : عدم النوم . ( 4 ) عزف عن الشئ عزوفا : زهد فيه وملّه . الوطر : الحاجة والبغية .